ترجمة العلامة الشيخ محمدُ ولد احظانا “ديده” (1213 – 1329هـ)

صورةالشاعر والأديب: أحمدُو ولد عبد القادر – الأستاذ الدكتور: محمدُو بن أحظانا

سنحاول في هذه المعالجة أن نقدم ترجمة لأحد العلماء الكبار والشعراء البارزين في القطر الشنقيطي، لم ينل ما يكفي من عناية الباحثين، سوى تحقيق رسالتين في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، لطالبين أحدهما: يعقوب ولد مباركُ والثاني محمد نوح ولد عبد القادر.

لقد أمضى صاحب الترجمة أزيد من قرن من الزمن ما بين طلب العلم من أفواه العلماء وبثه في صدور الرجال.

محيط نشأة الرجل ومحيطه

هو محمّدُ الملقب ديدَ، ولد محمدْ المكنى أحظانا، وتنطق وتكتب أحيانا (لحظان) من باب إدغام لام (وُلْ بأول الاسم، ووقوف الحسانية على آخر حركة في الكلمة). والأصل في كنية والده محمدْ من التفاؤل بالحظوة ككثير من الأسماء الموريتانية التفاؤلية.

وأحظانا بن حبيب الله بن أحمد بن الفقيه يحي الملقب اتفغ يحي بن أبي سيد أحمد بن محمد الملقب محم بن عُمَر المهتدي بن محمد الملقب يندابَ، بن الشريف المتعلق بالله الملقب يوكتش الله. عرف الفقيه يحي بأنه أحد خمسةأ رجال حسنيين عادوا من الحج في أزمنة متقاربة، بمعارف علمية جليلة بثوها في أهلهم، وفي المنطقة من حولهم. وهم:

  الحاج عبد الله بن بو المختار (ت:1100هـ) من أولا بوالمختار، وقد اشتهر بعلم الحديث والأصول وعلم الكلام، وهو من أوائل من روي عنه شعر من الحسنيين، عم لأول شاعر شنقيطي قصد القصيد حسب الثقات وهو محمذن بن الأمين بن المختار (الذيب علما.ق11-12هـ). كان الحاج عبد الله على خلاف مشهود مع الإمام ناصر الدين بشأن شرببه (النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري)، كما كانت فتواه بأنها فتنة في المسلمين معروفة، لتأثيرها في مسار الحرب بين المغافرة وتحالف كبير من الزوايا في منطقة الجنوب الغربي من القطر.

  الفالِّ بن بوالفال، (ت: 1102م)، من أولاد بو الفال. أتى بالمدونة المالكية برواية متصلة عن علي الأجهوري، متكاملة الأركان والعناوين، متمحورة حول مختصر خليل بن إسحق، وقد أخذ عنه علماء أجلاء أربوا على الثلاثين، بثوا العلم في أنحاء البلد فسمي شيخ الشيوخ. من هؤلاء: الفقيه أحمد باب الإجيجبي، جد حبيب الله ولد القاضي، والقاظي ولد اعلي امَّمّه السباعي، شيخ أتفغ الخطاط، ومحنض بن أحمد بن كنته الحسني.. وغير هؤلاء.
الشيخ يحي بن أبي سيد أحمد (توفي في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري)، من المتعلقين بالله، وقد أتى بعلوم النحو البصري، رواية عن الأشموني، ونقلها عنه عدد كبير من العلماء من بينهم رجال قدموا معه من صعيد مصر يسمون مُودْيَاتْ (مود مالك، مود ان الله، ديجْ امْباَبََا)، وقد بثوا علمه في المنطقة، ومن أبرز من أخذ عليهم وعلى أبنائهم و طلابهم محمد اليدَّالي الديماني (1146هـ)، و قد تفرقت ذرية هؤلاء الرجال في القبائل وسكن أغلبها في “إكيدي” و “فوتا”. و مع شيخهم ودفنهم معه في مدفن “اندَبّيجرْ” (أفول القمر) بمنطقة العقل.

  الحاج بن أجود (توفي في صدر القرن الثاني عشر) واشتهر بجلبه لعلوم الطب حيث كان هو طبيب المنطقة بلا منازع، وقد ذكر النابغة الغلاوي مهارته في نظم له ووصفه أوصافا عجيبة. من أشهر من أخذ الطب عن طلابه أَوْفَى المشهور، مؤسس مدرسة أهل أوفى في الطب.

  محم بن اخطيره (توفي مطلع القرن الثاني عشر الهجري)، من أولاد اخطيره، وقد عرف بالتبحر في علوم القرآن، كما كان له باع كبير في السياسة والقضاء، وقد عارض في فتوى له ناصر الدين في حرب شرببه. كما كانت له صلات وطيدة مع هدي بن أحمد دامان قائد المغافرة في هذه الحرب.

حياة العلامة محمد بن أحظانا

عند الحديث عن العالم الجليل محمدُ بن أحظانا فإن أول ما يُلاحَظ أنه عاش عمرا مديدا كما سنرى من خلال الروايات المتصلة والقرائن والأحداث، زاد على المائة بست عشرة سنة. وهو ما سنفصله في فقرات لاحقة من هذا التقديم.

كان هذا العمر المديد لصاحب الترجمة وتنقله في مجال جغرافي فسيح (تكانت، أكان، آدرار، تيرس، القبْله)، سببا لأن تكون له صلات بمجالات سياسية واجتماعية وعلمية عديدة، رغم استقراره أغلب عمره في منطقة “عُقُلْ إدَابْلِحْسَنْ” بالمنطقة الجنوبية الغربية.

وسنقوم في منهج تقديم هذا العلامة بخطوات تتألف من: تقديم المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي عاش فيه الرجل، لأن الاطلاع عليه يفسر زوايا من جهد الرجل العلمي في ظروف بالغة الصعوبة، ثم نمر بالوسط الثقافي والعلمي الذي عايشه، لنقدم في محطة ثالثة حياة المؤلف، وإسهامه في إنارة عصره، وأثره في محيطه من خلال محظرته التي أخرجت كوكبة من العلماء والشعراء المعدودين الذين بلغوا القمة في سعة العلم وجودة الشعر ببلاد شنقيط، من أمثال: الشيخ محمدُ ولد حنبل، وأبناء المعلى: حبيب الله والمختار وعبد الوهاب، ثم حبيب الله ولد عمر، ثم الشيخ محمدُ ولد أحمذيه، ثم عبد الله السالم ولد احميدي، ثم الشيخ محمدُ حامد ولد آلا، ثم أحمدْ ولد مياه، ومحمد محمود ولد يدادَ، وأحمدُ ولد الشيخ محمدُ ولد أغربظ، وجلال ولد حرمه، وأحمدْ ولد بيْ (ابّابن)، ثم محمد الأمين بن محمدُ بن أحظانا وبعض إخوته، ثم أحمدُّ السالم ولد أبي.. وغيرهم. وقد تخرج على هؤلاء جيل ثان من العلماء والشعراء الأفذاذ، من أمثال الشيخ عبد الله ولد حمين أستاذ مم الجكني وجيله من اللغويين، ومحمدُ نانََا (أحظانا) بن المعلا، ، والمنى ولد أحميدي.. وغيرهم.

معالم عصر الرجل

أطل القرن الثالث عشر الهجري بفارق تقويم عن القرن التاسع عشر الميلادي لايتجاوز 15 سنة. وكان هذا الفارق الاعتباري غير باد للعيان، ولايلفت أي انتباه، حيث كانت الأحداث تفعل فعلها، سواء نظرنا إلى التقويم الشمسي أو القمري، إذ أن الأيام إن كانت مشحونة بالأحداث فإن الليالي كانت حبلى بها.

ومابين مطالع القرن الثالث عشر الهجري (نهايات القرن الثامن عشر الميلادي) وصدر القرن الرابع عشر الهجري، وهي الفترة التي عاش فيها محمّدُّ بن محمدْ (أحظانا)، ماج المجال الصحراوي الشنقيطي بأحداث وتفاعلات اجتماعية وسياسية واقتصادية مؤثرة، صاحبها نضوج ظاهرة معرفية وأدبية استثنائية في المجال البدوي المرتحل المسمى بعدة أسماء من بينها اسم “شنقيط” خلال عصر الرجل تحديدا.

وكانت ظاهرة التعلم مخالفة لمجرى العادة في البدو، كما قرر عبد الرحمن بن خلدون في تقعيد صناعات العمران حيث عد العلوم والمعارف من جملتها.

و إذا كانت فترة القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين فترة تمهيد اجتماعي وثقافي كثيف، فإن حصاد القرنين الثالث عشر والرابع عشر شكل النقلة النوعية التي أعطت للبلاد هويتها السياسية والاجتماعية، والثقافية، ومنحتها مقومات التعريف اللاحقة، التي ستكون أرضية صلبة تقف عليها المقاومة العسكرية والثقافية والاجتماعية لاحقا عند دخول الاستعمار، وجدارا مكينا يحمي ظهر الهوية الحضارية والدينية للبلاد في وجه الفرنسيين، و وسادة وثيرة يتكئ عليها مؤسسو الدولة الوطنية في فترة تالية. فلولا ذلك الحصاد الوفير ما كان لبلاد مترامية الأطراف، مختلفة الشؤون، متفرقة الأهواء، قاحلة الأرجاء، تعمها ندرة اقتصادية وشح لا مثيل لهما؛ أن تصمد أطول مدة سجلت في المنطقة ضد حضارة استعمارية تملك كل مقومات الإغراء والاستلاب الثقافي والحضاري والقهر العسكري. بل وأن تؤثر بصورة تنافسية في محيطها المجاور والبعيد بطريقة مبتدعة حسدها عليها المنافسون الحضاريون، ولم يكتموا حسدهم ذلك.

لقد كانت للبلاد رغم “السَّيبَة” الأمنية مقومات وثوابت كبرى، أبانت عن صلابة معدنها، وأصالة أرومتها عند ما واجهت اختبار الاحتكاك بحضارة تملك كل أسباب القوة المادية والمعنوية، وقد كان البناء الداخلي لإنسان هذه الأرض هو الجندي المجهول لمعركة المحافظة على الهوية الحضارية العربية الإسلامية، رغم غياب السند المادي. لقد كان مرفق القضاء قائما ، كما كان المرفق التربوي العلمي قائما كذلك، إلى جانب مقوم اقتصادي قائم على تجارة القوافل والزراعة وتنمية الحيوان. فكانت هذه الحالة النادرة سببا لاستمرار الحياة رغم غياب المرفق السياسي وضعف المرفق الأمني.

لجأ الناس إلى حمى منظومتهم القيمية المتكاملة، فكانت حصنهم الشاهق، وسلاحهم الماضي، وذخرهم الذي لا ينفد كلما ضاقت بهم الأرض بما رحبت.

فكيف تشكلت الروافد التي روّت الحقل الثقافي الفسيح؟ وكيف استوى حقل الكيان الحضاري على سُوقه؟ وكيف برزت مقومات سور الحماية السياسية والعسكرية للحيز الترابي، خلال هذين القرنين الذين عاش صاحب هذه الترجمة أغلب تفاصيلهما وملابساتهما المحورية شاهدا أو مساهما؟

أولا: ملامح السياق السياسي الشنقيطي قبيل وأثناء عصر الرجل

شهد العصر الذي عاش فيه محمد بن أحظانا الملقب (ديد)، استقرارا نسبيا لحدود المجالات السياسية في البلاد، حيث استطاعت أربع إمارات مغفرية وخامسة صنهاجية مرابطية أن تنعم بمجال سياسي اصطلاحي شبه ثابت على حيز ترابي تحدده عوامل متداخلة، منها ما هو متعلق بحركة الكتل السكانية، ومنها ما هو متعلق بفقدان أو كسب بعض الامتيازات. والإمارات الخمس هي: إمارة أولاد أمبارك (المغفرية) في منطقة الحوض وباغنه، وإمارة أهل أمحمد بن خونا (إدوعيش) المرابطية، التي تأسست في تَكَانْتْ واشتقت منها إمارة لاحقة زمنيا هي إمارة أهل لمحيميد في الحوض. وإمارة البراكنة (المغفرية) في منطقة السهول بوسط الجنوب. و إمارة يحي بن عثمان (المغفرية) في سلسلة جبال آدرار وتوابعها الجغرافية. و إمارة الترارزة (المغفرية) في منطقة السهول الجنوبية الغربية وساحل المحيط الأطلسي. وسنستعرض مجالات هذه الإمارات بإيجاز، ونوردها غير مرتبة حسب ظهورها التاريخي، لنخلص إلى الإمارات الأقرب إلى المجالات التي عاش فيها صاحب الترجمة.

حول مجال إمارة أولاد امبارك (من أولاد العربية)

تأسست الإمارة في شرق البلاد بمنطقة الحوض وباغنة والعصابة والرقيبه. كان قد انقضى نصف العمر التقريبي لإمارة أولاد امبارك بن محمد بن عثمان بن مغفر بن أحمد (اوْدَيْ) بن حسان، بمطلع القرن الثالث عشر الهجري، حيث بلغ عمرها في الحوض 150 سنة على الأرجح. تأسست الإمارة على يد هنون العبيدي بن محمد الزناقي بن بنيوكْ بن أعمر بن الذيب، بن أعمر بن الفحفاح بن امبارك، وذلك سنة 1124هـ- 1711م، بعد قضائه على إمارة أبناء عمومته أولاد بوفايدة بن محمد، في معركة “كَسَارِي”. وتشكلت الإمارة من فرعي: أولاد لغويزي ولد الفحفاح، وأولاد أعمر ولد الفحفاح.

استهلت الإمارة النصف الثاني من عمرها مطلع القرن الثالث عشر وهي في أوج عزتها وامتدادها جنوبا إلى عمق مالي (عاصمتهم السياسية في بالناعُومْ) وشرقا أزواد، وغربا آفطوط، وشمالا سهوب المرية، وصادف ذلك حكم الأمير اعلي بن أعمر بن هنون بن بهدل بن محمد الزناقي، وابنه أعمر الصغير (العيمار)، لتضعف الإمارة لاحقا نتيجة الصراعات الداخلية والخارجية أثناء حكم أحفاده على التوالي: محمد آمَّاش، و اعلي، وهنون، و المختار (خطري)، آخر أمراء أولاد أمبارك الذين تلقبوا بالسلاطين. قتل في مد الله عام 1841م على يد النقرة بن محم من أولاد سالَهْ عندما كمن له في شجرة خيزران برية. فوهنت الإمارة بعده لتزول بقاياها الثلاثية التقسيم (فاته، فونتي، الكاشوش) بعد معارك طويلة مع الحاج عمر الفوتي وأبنائه، ثم بعد ذلك مع أحمدْ محمُودْ ولد لمْحَيمِيدْ المشظوفي الإعيشي بعد مقتل خطري بعشرين سنة في معركة آكْوَينِيتْ، ليستتب لأهل لمحيميد أمر الحوض إلى غاية دخول الاستعمار الفرنسي في صدر القرن الرابع عشر الهجري.

كان مجال إمارة أولاد امبارك واسعا لا تضاهيها في ذلك إمارة موريتانية سوى إمارة يحي بن عثمان، حيث شغلت مجالا آهلا بالسكان غالبا، مترامي الأطراف، من صحارى المرية شمالا إلى باغنة جنوبا، إلى كوشْ فأزواد شرقا، إلى الرقيبه وآفطوطْ غربا. قدَّر الرحالة الاستكتلندي “مونغو بارك” عدد مقاتلي الأمير اعلي ولد أعمر ولد هنون سنة 1795م بأزيد من ألفي فارس ليسو هم كل جيش أهل أعمر ولد هنون وحدهم.

كانت المدينة المعروفة في الحيز الترابي للإمارة هي مدينة ولاتة (لكْصَرْ) العامرة بالزوايا العلمية والمحاظر و العلماء، والتجار الكبار. أما أغلب السكان فكان في حالة انتجاع دائم حسب حركة الأنواء ومساقط المطر، ومناهل المياه.

كانت السهول الخصبة زراعيا، ومناجم الذهب في باغنه، والمراعي الكثيفة في أرجاء الإمارة، وازدهار تجارة القوافل المؤمنة من طرف الإمارة القوية.. سببا في عيش بحبوبة اقتصادية خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر، رغم التناحر المرير في نواة السلطة، و دورات القحط الشديدة والأوبئة المدارية الفتاكة.

عاش المترجَم له في هذا التقديم خلال حكم خمسة من أمراء أولاد امبارك دون أن تكون له بهم صلة على الأرجح، وهم أعمر ولد اعلي ولد أعمر وأبناؤه: محمد آماش واعلي وهنون وخطري أبناء اعمر ولد اعلي ولد أعمر ولد هنون ولد بهدل.

ومما يلاحظ أن منظومة التقاليد ذات الطبيعة البطولية لفرسان هذه الإمارة وشهامتهم المشهودة قد انطبعت في نفوس الناس بأرجاء البلد، لتميزها وبريقها الأخاذ. وقد خلد ذكرهم الفنانون والشعراء الفصحاء والشعبيون، وسطروا ملاحمهم بالنغم والكلمة. وبما أن الإمارة قد اختفت في سبعينيات القرن الثالث عشر الهجري، فإن حكومة الاستقلال صادقت مبكرا على قرار يعتبر تراث هذه الإمارة بالذات تراثا يجب حفظه، بينما كانت السلطة الزمنية للإمارات الأخرى وحساسيتها فيما بينها سببا لضياع أغلب تراث تلك الإمارات.

حول مجال إمارة إدوعيش (اللمتونية)

في وسط القطر الشنقيطي حققت إمارة إدوعيش إنجازا كبيرا في نهاية القرن الثاني عشر الهجري عندما استطاعت أن تحمي مجالها السياسي (تكانت) ومناطق من الرقيْبَه فيما بعد، تحت قيادة الأمير محمد شين بن بكار بن أعمر بن محمد بن خونا (توفي 1202هـ)، وكان ذلك بعد مخاض التأسيس على يدي أعمر بن محمد خونا (توفي في صدر القرن الثاني عشر الهجري) وأبنائه: اسويدْ واعلي بابي، و بكَّار المتوفى حوالي (1171هـ).

لقد خرج محمد شين ولد بكار منتصرا هو وإخوته: أحمد ديه (قتيل أعمر بوجرانه الامباركي بابن أخيه عثمان الظامر سنة 1200هـ) ومحمد، وإبراهيم.. كان النجاح بعد الخروج من محنة حصار “احْنَيكَاتْ بَغْدَادَه”، الذي أحكمه عليهم المغافرة وحلفاؤهم قبيل أفول القرن الثاني عشر بقليل. وكاد هذا الحصار يطيح بالإمارة العتيدة لولا تدبير قائدها وحنكته..

ورغم الصراعات الداخلية المريرة على خلافة محمد شين، فإن ابنه محمد (تـ 1236هـ) استطاع أن ييني قوة ضاربة (بَخْوَاكَه) دخل بها في معارك ثأرية طاحنة مع المغافرة، كسب أغلبها وكانت بالتحديد ضد (أولاد امبارك، البراكنة، الترارزة، يحي بن عثمان، إضافة لبعض القبائل المستقلة)، مما وطد أركان الإمارة ودفع عنها الإمارات المغفرية الأربع المحيطة بها فتركت لها حماها بعد اليأس من إزالتها، حيث كانت هي الإمارة الوحيدة غير الحسانية في البلاد. ثم كان لاسْوَيْدْ أحمد بن محمدْ بن محمّد شين (ت: 1245هـ) بالشق الغربي من الإمارة (أبكَاكْ) في تكانتْ، فضلُ التأسيس الثاني، بينما كان لأعمامه: اعلي (ت: 1208هـ) وإخوته الشق الشرقي (اشْرَاتِيتْ) في منطقة (الرقيبهْ)، وذلك بعد حرب أصبحت مضرب المثل الحساني في المرارة (شَرْ اسْوَيدْ أحْمَدْ وَاعْمامُه). لتؤول إمارة أبكاك في تكانت إلى بكََّار بن اسويد أحمدْ، وتشهد استقرارا طويلا دام ستين سنة تحت إمرته، من سنة 1249هـ لتنتهى باستشهاده وهو شيخ طاعن في السن على يد الاستعماري الفرنسي “افريرْ جاهْ”، في معركة بوقادوم بأَفَلَّهْ في وسط موريتانيا سنة 1905م. تمددت الإمارة جنوبا إلى مَيْتْ في عهد بكار ولد اسويد أحمد، كما استطاعت أن تحول بين إمارة أولاد امبارك وإمارة البراكنة عن طريق انسياحها في سهول آفطوط، وانحسار قوة أولاد لغويزي الذين يمثلون الطرف الغربي من إمارة أولاد امبارك.

استكثر الضباط الفرنسيون القوة العسكرية لأدوعيش عند دخولهم إلى البلاد حيث قدروهم بالآلاف. وقد احتضنت الإمارة عددا من الحواضر من أقدمها مدينة تشيتْ.

أدرك المترجَم له وعاصر عددا من أمراء إدوعيش من أبرزهم، محمد ولد محمد شين، و ابنه اسويد أحمد، وبكار ولد اسويد أحمد. ومن المرجح بحكم مقام محمد ولد احظانا أحيانا في آكان أن تكون له صلاة وطيدة بأمراء إدوعيش، خاصة بكار ولد اسويد أحمد.

حول مجال إمارة البراكنة (من أولاد الزناكية)

في إمارة البراكنة كان أبناء بركني بن هدَّاج بن عمران بن عثمان بن مغفر بن أودي بن حسان، قد تجاوزوا صراعات الانقسام الأولى بين شُعَبِ الإمارة مع مطلع القرن الثالث عشر، حيث استتب الأمر شرقا لاحميادة ولد اعلي ولد أحمدُ ولد امحمد ولد هيبه ولد نغماش (ت:1230هـ) و من بعده لابنيه المختار الشيخ وهيبه. وغربا لأولاد السيد، المختار ولد آغريشي وأبنائه خاصة في بيت سيد اعلي الكبير (ت: 1818م.) وابنه أحمدُّ الكبير (ت: 1841م) وسيد اعلي الثاني (ت:1893م). وجنوبا استتب الأمر لهيبه بن اعلي بن امحيمد (كان حيا سنة 1744م) ولابنائه، وأحفاده: سيدي هيبه بن إبراهيم بن اعلي بن هيبه (ت: 1884م).

تأسست إمارة البراكنة مبكرا في أواسط القرن السابع عشر، حيث كانوا من أكابر المغافرة حينها. وكان محمد ولد هيبه (ت 1135 هـ)، وأحمد أخوه (ت 1175هـ) قد وطدوا أركان إمارتهم فلم يطل القرن الثالث عشر حتى كان المجال السياسي والجغرافي شبه ثابت، بعد الأحداث التي جرت على الحدود الغربية الافتراضية للإمارة، أثناء الحرب مع الترارزة بقيادة اعلي شنظورة بن هدي بن أحمد بن دمان، في صدر القرن الثاني عشر.

وقد شيدت الإمارة قوة ضاربة استطاعت أن تحمي بها مجالها الواسع ما بين تكانت وآفطوط شرقا، و”رﮒ هيبه” علي النهر السينغالي جنوبا، و”أنَكِّيمْ” غربا، و”آكَانْ” شمالا، فكانت بذلك الإمارة الوحيدة التي تشترك في حدودها مع كل الإمارات الشنقيطية والسودانية (أولاد امبارك، إدوعيش، الترارزة، يحي بن عثمان، بوصياب..)، فحصلت على فوائد التبادل والسلام وازدهرت فيها تجارة الصمغ والأقمشة وريش النعام والجلود، والزراعة، والتنمية الحيوانية، كما حصدت النتائج المترتبة على صراعات المصالح المريرة والكثيرة في نفس الوقت. وقد قدر الفرنسيون في تقاريرهم الاستخبارية عدد مقاتلي الإمارة بستة آلاف قبيل دخول الاستعمار بسنوات قليلة. قاومت الإمارة الاستعمار مدة طويلة واستشهد بعض أمرائها في معارك ضده في وقت مبكر من القرن التاسع عشر الميلادي، كما شاركوا في معارك ضد تغلغله مع مطلع القرن العشرين.

أدرك المترجَم له، وعاصر عددا من أمراء البراكنه من بينهم احميادة ولد اعلي ولد أحمد، و المختار ولد آغريشي، وابنه سيد اعلي الكبير وأحمدَّ الكبير وابنه سيد اعلي الثاني، وسيدي هيبه بن ابراهيم. ولا شك أن المترجَم له كان على صلة مباشرة ببعض هؤلاء الأمراء، نتيجة للصلاة القوية بينهم وبين مجموعته القبلية (إدابلحسن)، والتداخل الجغرافي في فترات انكفاء إمارة الترارة على نفسها في الخط الساحلي.

حول مجال إمارة يحي بن عثمان (الجعفرية)

في الشمال والوسط الغربي استطاعت إمارة أولا يحي بن عثمان بن مغفر بن أودي بن حسان أن تختط مجالا سياسيا وترابيا نسبيا، يمتد على أرض شاسعة رغم تدني الكثافة السكانية في أغلب مناطقها، تساوي أو تزيد عن الحيز الترابي لإمارة أولاد امبارك في اوج امتدادها، لكن مجالها الجغرافي يتميز بالجفاف في أغلب الفصول خلافا لإمارة أولاد امبارك التي يتميز أغلب مجالها بالخصوبة. وقد احتضنت الإمارة حواضر عريقة مثل وادان وشنقيط. كما كان الملح في “كدية الجل” مصدرا هاما من مصادر التبادل التجاري والمقايضة.

امتدت الإمارة ما بين “لجَامْ آدرارْ” جنوبا، وتيرس شمالا، ووَرانْ شرقا والمحيط الأطلسي غربا.

بعد مخاض التأسيس ونهاية حروب المرجعية استطاع عثمان بن لفْظِيل بن شنان بن بوبَّه، بن عمَّني بن آكشار بن آكْمُتَّار، بن غيلان بن يحي بن عثمان، تأسيس الإمارة في عائلته منذ مطالع القرن الثالث عشر، بدعم من أخواله وأصهاره لَبراكنه، بعد حربه مع أبناء عمومته: أهل اعلي موتاه الذين كان فيهم البيت. وفي مطلع القرن الثالث عشر استتب الأمر في بيت حفيده أحمد (ولد عيده) بن عثمان بن لفظيل رغم التناحر الداخلي، والتف حوله تحالف كبير من القبائل المغفرية والحسانية، والقبائل الأصلية. وقد عرفت الإمارة فترات ازدهار ورخاء تعود في غالبها إلى خصوبة الواحات وتجارة القوافل من ملح وتمر، وقماش، وحبوب، وذهب.. حيث كانت آلاف الجمال تعبر هذه الإمارة نتيجة وجود حواضر عامرة مثل شنقيط ووادان، وذلك في تلك الرحلات الدائبة من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال. كان ذلك الازدهار مع مطالع القرن الثالث عشر الهجري باديا للعيان، حيث استطاعت إمارة أهل أحمد عيده أن تحقق حماية لمجالها، بعد الحروب الطاحنة مع إدوعيش والترارزة. كما ازدهر خط القوافل الجديد من جنوب المغرب إلى سنلوي عبر “وادان”، “أطار”، على حساب خط القوافل القديم: وادان، شنقيط، تشيت، ولاتة، تنبكتو. وهو خط تجارة الذهب والملح. وكانت إمارة أهل أحمد عيده تحمي هذه القوافل من بئر انزران إلى شمال أكجوجت. حملت القوافل على الخط الجديد: الشاي والقطران، والزرابي، والقماش، والحبوب، والتمر، والعطور، والبهار…

وإذا كانت الإمارة قد عرفت صراعات داخلية قوية في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، واصطدمت ببعض القبائل والتحالفات المحاذية لها، فإن تلك الصراعات لم تصل إلى درجة التخلي عن حماية الحوزة الترابية والمجال السياسي لسيادة الإمارة، حيث درج الأمراء على عادة التآخي والتحالف كلما كان هناك خصم يريد شرا بمجالهم، كما كان الطرق الوعرة في آدرار حصنا طبيعيا تحتمي به نواة الإمارة عند َأي خطر محدق.

مثلت فترات امحمد بن أحمد عيده، وابنه أحمد ولد امحمد (1288- 1309هـ)، الذي عرف بالعدل فترة رخاء نسبي. و سجلت في فترة وهن الإمارة والخلاف الحاد بين الأسرة الأميرية حادثة تدل على عدم الاستقرار وهي إمارة لمدة يوم واحد، حيث نصب أمير صبيحة يوم قُتل في آخره.

أطلقت ألقاب مختلفة على بعض الأمراء مثل: “أمير العافية” و “أمير الشر”.

قدرت التقارير الاستخبارية الفرنسية قبيل دخول الاستعمار إلى موريتانيا عدد مقاتلي إمارة يحي بن عثمان بأكثر من ألفي مقاتل، يتميزون بالشدة والمهارة في المعارك الجبلية. وبعد توغل الاستعمار استمر مجال الإمارة معقلا دائما للمقاومته إلى وقت متأخر، حيث استشهد الأمير سيد أحمد ولد أحمد في معركة وديان الخروب ضد الفرنسيين سنة 1932م. أدرك المترجَمُ له عددا من أمراء أولاد يحي بن عثمان، وعاصر وتعايش مع بعضهم، ومن أبرزهم أحمد ولد أمحمد ولد أحمد عيده الذي كان محمد ولد عبد الودود وابنه عبد الودود يتوليان القضاء في إمارته، ومحمد ولد عبد الودود هو الأستاذ المميز في عصره، وقد أخذ عنه محمدُ ولد أحظانا، وسنعرج عليه لاحقا. كما أن محمدُّ أسس محظرته الأولى في آدرار، ومن المؤكد أنه قد عرف أمراء آدرار في عهده عن كثب.

حول مجال إمارة الترارزة (من أولاد الزناقية)

بما أن هذه الإمارة هي التي أقام بها محمدُ ولد أحظانا أغلب عمره، وبث فيها علمه فسنتحدث عنها باستفاضة أكثر، وقد أخرناها ترتيبيا لا لكونها كانت من آخر الإمارات ظهورا في التاريخ فهي من أوائل الإمارات المغفرية، وإنما لبسط الحديث عنها كحاضن لصاحب هذه الترجمة.

في المنكب الجنوبي الغربي من أرض البظان تأسست إمارة الترارزة، وهم أبناء تروز بن هداج بن عمران بن عثمان بن مغفر بن اودي بن حسان. وهم فرعان: أولاد موسى بن تروز وأولاد اعلي بن تروز. وقد انقسموا حسب طبيعة الأرض التي سكنوها إلى خمس مجموعات:

  أولاد بنيوك بن أحمد الصغير بن اعلي بن تروز وإخوتهم،

  أولاد البوعليه، بن عزوز بن مسعود بن موسى بن تروز،

  أولاد دامان، بن عزوز بن مسعود بن موسى بن تروز،

  و من دامان أولاد أحمد بن دامان،

  أولاد بوعلبه بن مسعود بن موسى بن تروز: لعلب.

نشأ المجال السياسي للترَارِزَة مبكرا بالنسبة للإمارات الحسانية المغفرية، فقد تأسست في عهد الأمير أحمد بن دامان (ت 1636م) الذي قاد معركة “انتِتَامْ” سنة 1040هـ 1630م، بالتحالف مع الرامي العروسي، ضد لكتيبات من أولاد رزق. أسس المغافرة إماراتهم في القبلة بعد هذه المعركة الحاسمة لينساحوا شرقا وشمالا في فترات لاحقة، وكان من الطبيعي أن تكون إمارة الترارزة في مقدمة الإمارات بحكم سن أمير الحرب حينها، وهو عادة الأكبر سنا. بعد مرور الإمارة بأزمة كبيرة على عهد هدي بن أحمد دامان، وهي “شَرْبَبّه” أو “أشِّرْ بُبَّهْ” ضد دعوة، ثم حرب الإمام ناصر الدين وأغلب الزوايا من خمسينيات القرن الحادي عشر الهجري إلى سبعينياته. وبعد انقضاء فترة أبناء هدي أعمر آكجيِّل (ت:1114هـ)، واعلي شنظوره (ت:1139هـ) المؤسس الثاني للفرع التروزي من أولاد الزناكية، بعد حربه الطاحنة مع البراكنه (محمد وأحمدْ ابني هيبه ولد نغماش). ثم بعد انقضاء النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري على الرعيل الأول من شجرة اعلي شنظوره: أعمر ولد اعلي شنظوره (ت1170هـ)، والمختار ولد أعمر (ت1179هـ)، استقر المجال السياسي التروزي نسبيا؛ فقد أطل القرن الثالث عشر على الأمير امحمد بن المختار بن أعمر بن المختار بن اعلي شنظوره أميرا للترارزة (ت:1209هـ) حيث قُتِل ابنُ عمه اعلي الكوري بن اعمر بن اعلي شنظورة مع أفول القرن الثاني عشر في معارك مع البراكنه وشيعتهم من الممالك السودانية (ت:1200هـ).

بدأ الاستقرار السياسي للإمارة مع طلوع نجم أعمرْ بن المختار بن الشرقي بعد وفات الأمير أعمر ولد (ولد كمبه) بن المختار بن اعلي شنظوره (ت1215هـ)، وخف النزاع الحاد بين الأحفاد: امحمد ولد اعلي الكوري، وابن عمير وأعمر بن المختار. حيث استمر حكم اعمر ولد المختار 30 سنة (ت:1245هـ). واستقر الأمر من بعده لابنه محمد الحبيب مدة تزيد على ذلك. وقد مثل محمد الحبيب التأسيس الثالث للإمارة حيث استبقاها في عقبه وتسمت باسمه، رغم ما شهدته من تناحر أسري حيث قتل محمد الحبيب، وقتل ابناؤه في فترات متقاربة نسبيا: سيدي سنة 1288هـ و أحمد سالم سنة 1290هـ وابراهيم السالم سنة 1297هـ. ليقتل محمد فال بن سيدي بن محمد الحبيب سنة 1302هـ. واعلي ولد محمد الحبيب سنة 1303هـ، ثم يأتي الدور بعدها على الأحفاد.

وقد أثر استشراء الغيلة (الغدرة) في أمن المجال الجغرافي للإمارة في مطلع القرن الرابع عشر الهجري فعانت الفئات الاجتماعية كلها من ذلك، وتسلط النهَبَة على ممتلكات العزَّل مما جعل بعض الزوايا والمشائخ يسعون لإدخال الاستعمار الفرنسي مع مطلع القرن العشرين الميلادي (1902م) متعللين بغياب الأمن (باب بن الشيخ سيدي، الشيخ سعد بوه).

وقد قدم الاستعمار إلى الترارزة و أحمد سالم ولد اعلي الملقب (بياده) هو أمير الترارزة (قتل أميرا 1905م بعد عودته من آدرار سطف حيث احتمى بقوة مسلحة تسليحا جيدا من أولاد بالسباع في مطلع القرن العشرين فأقام فيهم بعد هجرته من القبلة ثلاث سنوات، أثناء تشكل نواة المقاومة في آدرار وإينشيري، وقد قتله أحمد ولد محمد فال ولد سيدي الملقب بولد الديد وأخوه الأمير سيدي عند عودته إلى القبله. ( ليتوفي أحمد سنة: 1363هـ).

ورغم الاستقطاب الحاد في الإمارة فقد نشأ فيها مجال حمائي شبه مستقر طوال القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر الهجريين، امتد من “تَفَلِّ شمالا إلى “الوالو” جنوب النهر السنغالي في فترات التمدد القصوى؛ بل إن عزونه وأولاد بواعلي من بقية أولاد رزك كانوا يبسطون نفوذهم على أجزاء في العمق السينغالي بمنطقة الرأس الأخضر، قبيل حرب فيدرب (مطلع القرن التاسع عشر). وامتدت الإمارة من آنكيمْ شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. وكانت فترات اتساعها وتمددها تجعل منها إمارة واسعة جدا إلى درجة نافست فيها إمارتي يحي بن عثمان وأولاد امبارك.

قدرت التقارير الاستخبارية الفرنسية عدد مقاتلي الإمارة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ب 5000 مقاتل.

عرفت الإمارة وفرة كبيرة في الثروة الحيوانية، كما استفادت من تجارة الملح حيث توجد بها أقدم وأشهر مملحة في غرب أفريقيا منذ القرن التاسع الميلادي على الأقل، وهي “سبخة انترَرْتْ”. وكذلك استفادت من تجارة الصمغ العربي، والأقمشة والسلاح عن طريق التبادل المبكر مع الأوربيين في جزيرة تيدرَهْ، ثم ميناء هدي بن أحمد بن دامان، وانتهاء بسانلوي والموانئ النهرية حيث نشط التبادل التجاري وانتظم مع الانجليز والفرنسيين.

وقد شهد النصف الثاني من القرن الثالث عشر –كما سلف- اضطرابا سياسيا في الإمارة أدى إلى نوع من التسيب نتيجة انشغال مركز الإمارة في الصراع الداخلي، فكانت الغارات على الممتلكات الخاصة من طرف قبائل الشوكة سمة بارزة في حياة طبقة الزوايا والفئات غير المسلحة، وقد انعكس ذلك على الحياة العامة في الإمارة، كما انعكس في أدب وفتاوى المنطقة بما في ذلك إنتاج صاحب هذه الترجمة، حيث سيطر هاجس عدم الأمن على أغلب ما تركه من آثار شعرية ونثرية.

أدرك المُتَرجَمُ له وعاصر عددا كبيرا من أمراء الترارزة نتيجة عمره المديد و قصر المُدَد التي كان يعيشها هؤلاء الأمراء بسبب الغيلة. ومن هؤلاء: أعمر ولد المختار، ومحمد الحبيب، وأبناؤه وأحفاده الذين تحدثنا عنهم، حتى أدركه أحمد سالم ولد ابراهيم السالم، وأحمد ولد الديد. وقد كانت لمحمدُّ ولد أحظانا مراسلات مع محمد الحبيب، وابنه سيدي، وكذلك اعلي، وتدل إحدى رسائله لـ اعلي ولد محمد الحبيب على صلات سياسية وطيدة بين قبيلة المعني (إدابلحسن) وأولاد أحمد بن دامان، تذكرها الرسالة بصراحة. عاش محمدُ بن أحظانا أغلب حياته في المجال التروزي، بعد قدومه إلى العُقْلْ من منطقة آدرار، التي كان قد أسس فيها محظرته الأولى، حيث أسس محظرته الثانية في “تِنْبَنْيُوكْ”، وهي المحظرة التي عرف بها وسنتحدث عنها لاحقا.

قبائل وتحالفات أخرى محاربة

عرفت البلاد إلى جانب الإمارات الحسانية المركزية قبائل مسلحة وتحالفات ذات طابع مستقل، استطاعت أن تفرض وجودها في مجالات متحركة، “على صير أمر ما يمر وما يحلو” مع الإمارات المركزية. وكانت هذه القبائل والتحالفات ذات البأس الشديد على شكل جيوب متحركة وشبه ثابتة، من مثل أولاد ادليم في الشمال، وأولا بالسباع وأولاد اللب في منطقتي إينشيري وتفل، وأولاد الناصر وأولاد داود اعروق، وأولاد داود محمد خاصة أولاد بلَّه، في منطقة الحوض والظهر والباطن. كما وجدت في الجنوب إمارات وتحالفات وممالك سودانية تضعف وتقوى حسب الظروف والمعطيات.

ثانيا: ملامح عامة حول النظام الاجتماعي في القطر الشنقيطي

انقسم المجتمع الشنقيطي حسب انتمائه إلى فئات تحترف مجموعة من الحرف وتنتهج طرائق قددا في حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وذلك في ظاهرة شبه مدنية، وهي تقسيم الحرف والاختصاصات بشكل صارم. فقد انكبت فئات على الإنتاج الزراعي والتجارة والتنمية وحفر الآبار وتأسيس محاظر التعليم كمنحى أساسي، بينما انشغلت فئات أخرى بحمل السلاح وتولي الحماية، وتسيير الشأن السياسي، وخوض الحروب و عقد اتفاقيات السلام والتأمين. وقد مزجت بعض القبائل والتحالفات بين التعلم وحمل السلاح حسب الحاجة.

ويلاحظ أن هذه الاختصاصات ليست مرتبطة بأنساب وأعراق، وإنما أصبحت بمثابة وظائف اجتماعية عامة، إن كانت لبعضها أسباب تاريخية ومصادفات، واجتهادات لبعض المؤسسين، فإن التوجهات الفردية والجماعية للتركيبة السكانية هي التي تحكمت في رَفد التقسيمات بالمدد البشري. وتكرس واقع اجتماعي قائم على أساس وظيفي، ذي طابع متشابك، فإذا كانت التركيبة العامة تركيبة قبلية، خاضعة لعصبية محكمة، فثمة تصنيف أكبر من النسب والعصبية بالتحالف في حالة اختلاف الأنساب فنشأت تجمعات من أصول متباينة في طول البلاد وعرضها.

بتكريس هذا التصنيف صار كل من حمل السلاح سواء كان من القبائل الحسانية أو الأصلية، معرَّفا في القبائل المحاربة، وكل من انهمك في التعلم من الزوايا (نسبة لزاوية المسجد) أو الطُّلْبَهْ (نسبة لطلب العلم) وإن كان منتسبا إلى القبائل الحسانية المحاربة أصلا (التوبة)، وكل من امتهن المحاربة فهو من العرب نسبة لأغلب من حملوا السلاح وهم بنو حسان و إدوعيش أساسا، وهم، حسب الاصطلاح، كل من حمل السلاح حتى ولو كان من القبائل الأصلية الصنهاجية. كذلك صار كل من دخل في مهنة الرعي من فئة الرعاة أيا كان أصله، وكل من امتهن النجارة والحدادة والسباكة فهو صانع أيا كان انتماؤه، وكل مجموعة امتهنت الصيد البري فهي من “النمَادِي” بغض النظر عن نسبه، وكل من امتهنوا الجزارة فهم “آغزازِير”، وكل من امتهن الصيد البحري في المحيط خاصة فهو “آمريك” (إيمراكن)، وكل من امتهن الغناء فهو “إيكِّيوْ”، وكل من أنتج لغيره دون عوض فهو من فئة الأقنان والمملوكين..

لكن التقسيم العميق للطبقتين الأساسيتين (الزوايا والمحاربين) كان يخضع لتراتبية شبه متطابقة مع اختلاف في الاختصاص، فشيخ الزاوية المشهور والأمير يشغلان الوظيفة الأسمى في قمة هرم الفئتين، مع ملاحظة أن التساوي والتفاوت بينهما في المرجعية يعود أحيانا إلى الطبيعة الشخصية لكل واحد منهما. وللمحارب مقابله وهو الفتى، ولعموم الزوايا مقابلهم في عموم المحاربين، وللطبقات التابعة درجاتها المتقابلة في كل من فئة المحاربين والزوايا. ويكمن الفرق العميق بين الفئتين عدا الاختصاص العملي في نوع الوسائل المملوكة لكل فئة، وفلسفتها في التعاطي معها، حيث بنى الزوايا منهجهم العملي على أساس تكريس الملكية الخاصة للإنتاج ووسائله مثل ملكية الأرض والانهماك في التحصيل، وإنتاج المواد، وتملك وسائلها، وما يؤول إليه كل ذلك من اكتفاء، وأحيانا من تراكم الثروة والوفرة، التي تسمح بتصريف أموال للزكاة والوقف على طلاب العلم ومنحهم أحيانا من أهلهم أو من شيخ محظرتهم.

بينما اتكأت فئة المحاربين على ملكية السلاح وحده، باعتباره كافيا للسيطرة على الأرض ومن عليها إجمالا بإعلان الحرب والسلم وإبرام الاتفاقيات البينية. وقد حرمهم هذا من ملكية الأرض ووسائل الإنتاج اختياريا، حيث كانوا يعتبرون الانهماك في هذه الأمور منقصة تحول بينهم وبين السيطرة على الأمور، وتثقل أعطاف فرسانهم عن شن الغارة، وتقعدهم عن قطف مجد السيادة.

وهكذا نشأت حالة اجتماعية شبيهة بوضع المدينة التي تقوم على التكامل الحرفي والتنوع في الاختصاص، لكنها بلا عمران.

عُرِف هذا التقسيم المتشابه في كل القوميات الشنقيطية والتكرورية (زوايا ومحاربين في البظان وتورودو وهليبه من القوميات الإفريقية).

ترسخت قواعد هذا النظام الاجتماعي وساد في المجتمع وتواضع عليه الجميع، وجرى تكريسه كنظام ثابت سخرت له نظم أخرى لها سطوتها، من بينها النظام القبلي نفسه.

لعب القضاء الذي يسلم له الجميع “الْ كالْ القاضِ مَاضِ”، دورا بارزا في تليين مفاصل التعايش بين المجتمع، فكان الاحتكام إلى المذهب القاسمي المالكي، وما يشتق منه من نوازل البادية وأحكامها.. صمام أمان وعامل ترابط، وخلفية للمشهد الاجتماعي العام. وفي حالة اصطدام هذا النظام بحوادث عنيفة فإن المفتين والفقهاء لا يتركون العمل بالمبدأ، ولو تأولوا له إن عسُر عليهم إتيانه من بابه. ولذا نلاحظ أنه في حالة الحروب بين الزوايا، وهي حروب حدثت وتكررت، فإن الصلح عادة يستند إلى إرجاع ديات الطرف الذي استحر فيه القتل بدل القصاص، درءا لمزيد من المفاسد.

وخلاصة القول في هذه النقطة أن للقضاء سلطة كاملة تعلوا حتى على إرادة الأمراء في الغالب الأغلب.

والأمثلة على مرجعية الحكم القضائي كثيرة، ومن أمثلتها ما خلده صاحب هذه الترجمة في إحدى قصائده، في تقاضي “ابن عثمان” و “التيزكاوي”، فقد تقاضيا على أهل عبد الودود الحاجيين، أساتذة صاحب الترجمة، وعندما رأى الأمير أن الفقيه سيحكم ضده هدده بالقتل إن حكم عليه، أمر تلامذته أن يحولوا بينه وبين ذلك الأمير حتى يكتب الحكم، فلما كتبه خضع الأمير للحكم، ونصب ابن عبد الودود قاضيا في إمارته.

ثالثا: المجال الثقافي العام في القطر على عهد الرجل

إذا كان المجال السياسي والاقتصادي للبلد في عهد الرجل قد عرف نوعا من التراوح بين الاستقرار والاضطراب، والوفرة والندرة فإن الوسط الثقافي عرف في القرن الثالث عشر الهجري تصاعدا متسارعا أدى إلى ازدهار معرفي وأدبي لم يسبق له مثيل في تاريخ البلد، حيث انتشر علماء بارزون في العلوم الإسلامية واللغوية، وكثر الشعراء المجيدون، وتأسست زوايا علمية مكينة، ونوقشت قضايا حساسة عديدة، مثل نصب الإمام. وفتح الفقهاء بابا من أبواب الاجتهاد المذهبي، فتباروا في أحكام ونوازل البادية، وتحدثوا في الاجتهاد القياسي، والمصالح المرسلة، والاستصحاب.. كما كان لهم شأو في تناول الأوراد الصوفية التي وفدت بغزارة على البلد خلال نهايات القرن الثاني عشر و طوال القرن الثالث عشر (القادرية- الشاذلية- التيجانية)، وموقف الفقه مبدئيا منها، ومن تداخلها فرعيا. وأمام القارئ الكريم مثال من هذه المناظرات الشعرية والنثرية في فتوى محمدُ بن أحظانا حول الأوراد، جوابا على سؤال تلميذه محمدُ ولد حنبل:

.. عن اشتغال شباب العصر كلهم ==عن العلوم بأوراد سنيات، أنعمة هذه في الدين نــــــــــذكرها ==أم هي في ديننا إحدى المصيبات؟

وطرحت مسألة الإبداع في الشعر، وتبارى الشعراء في إظهار براعتهم الأدبية واللغوية، ونشأت حركة إحياء أدبي عادت بالقصيدة العربية إلى عصر القوة، فكثرت المعارضات، واستوحى الشعراء من عصور القوة في الجاهلية وصدر الإسلام والعهد الأموي والعباسي، أخيلتهم الشعرية وصورهم الفنية، وانعكست في نصوصهم درجة كبيرة من تمثل عصر القوة في الأدب العربي واستحضار روحه.

وشهد القرن الثالث عشر كذلك حركة نشطة للتأليف في المجالات المعرفية المتداولة، من تفسير، وفقه فروع وأصول، وسيرة نبوية، ولغة وبلاغة وعروض، ومنطق وكلام، و تاريخ وأنساب.

وقد تميزت الحركة الثقافية الشنقيطية خلال القرن الثالث عشر الهجري ومطلع الرابع عشر بعدة سمات أو ظواهر بارزة من بينها:

  ظاهرة نقاش كل القضايا والقيم، وفتح الحوارات في أي مسألة شرعية أو ثقافية أو عقلية تعرض.

  ظاهرة الاعتناء باللغة العربية كقيمة نقدية أولى للحكم على أي إنتاج أدبي. ومناقشة الإبداع في الشعر العربي عموما والاعتناء بالشعر الشعبي عروضا وحفظا.

  ظاهرة النوازل الفقهية، وفقه البادية، كالاجتهاد القياسي في مسألة الدماء بترجيح الدية على القصاص درءا للتناحر، لدى بعض الفقهاء، والفتوى بترك الحج نتيجة غياب الأمن. ومسألة استغراق الذمة..

  ظاهرة التواؤم والتصالح بين الفقه والتصوف، نتيجة بروز شيوخ فقهاء متصوفين، بعد الجفوة التي كانت مستشرية بين الفقهاء والمتصوفة خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، والتي كان “شرببه” وفتوى الحاج عبد الله ولد بوالمختار، والطالب أحمد ولد بلعمش، ورؤيا ناصر الدين أحد أمثلتها الاستقطابية الحادة بين الطرفين.

  نضوج المنهج التربوي المحظري المتكامل في المعارف العربية الإسلامية، وانتشار الوقف في المحاظر، وتكريس التعليم المحظري اجتماعيا في الوسط المتعلم بدون منازع.
التصالح غالبا بين السلطة السياسية والسلطة المعنوية، من خلال اعتماد الأمراء على بعض الفقهاء والمشائخ كسلطة تشريعية وروحية، واستناد الفقهاء والمشائخ على الأمراء كسلطة زمنية، من أجل رعاية شؤون المسلمين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وذلك بعد التنافر الشديد بين الزوايا وحسان غالبا، وهو تنافر استمر من منتصف القرن الحادي عشر وطوال القرن الثاني عشر الهجريين.

لقد شهد القرن الثالث عشر إذعانا متبادلا من الطرفين، بعد الجفوة الشديدة التي كانت أكثر حدة في بعض الجهات لأسباب تاريخية، وعوامل مؤثرة.

  شهدت البلاد خلال هذا القرن نزوعا واضحا إلى الاختصاص المعرفي حسب المناطق، فقد كانت العناية باللغة العربية، والشعر، والمنطق والبلاغة والسيرة النبوية والتأريخ.. ميزة غالبة في المناطق الساحلية الغربية والشمالية من البلد مثل “الكبله”، و”آدار”، و”إينشيري”، و”تيرس”)، وفي بعض المدن العريقة “ولاته”، “تشيت”، “شنقيط” و “وادان” . وبالمقابل كان الاهتمام بالقرآن وعلوم المقرإ والفقه وأصوله ميزة المناطق الداخلية من البلد، مثل “تكانت”، “الرقيبه”، “لعصابة” و”الحوض”.

كل هذا مع ملاحظة استثناآت معتبرة في هذه القاعدة تثبتها، وتبرهن على صحتها. والحكم عادة يكون بغالب الأمر ودارجه، وليس معنى شيوع اختصاصات معينة إهمال أي فن من الفنون بصورة كاملة لأن طبيعة المنهج التربوي المحظري، وترابط المعارف العربية الإسلامية، ومتطلبات تأدية الواجب الشرعي، تحول دون ترك أي جانب معرفي تركا تاما. لكن بتحكيم معياري الإتقان والشيوع لا يمكن للباحث أن يصل إلى غير هذا الحكم، ما لم تتغير المعطيات التي تتيحها الوثيقة المكتوبة والمنطوقة عن هذه الحقبة؛ بل ما هو شائع في الممارسة المعرفية الثقافية إلى وقت قريب في البلاد.

 ظهور ثقافة شعبية ذات مضمون عالم، فقد نطقت الحسانية بكل محتويات الثقافة العربية العالمة من فقه، وسيرة، ونحو، ولغة، وحكمة، وبطولات، وأدبيات، وتاريخ، وأنساب، وقيم عقلية، وأمثلة.. مما جعل هذه الثقافة الشعبية الأمية في الكتابة أحيانا، بالنسبة لبعض الفئات الأمية، ثقافة عالمة المضمون. وهي ظاهرة غير شائعة في الثقافات الشعبية البدوية العربية والإسلامية، وحتى العالمية. وقد قربت هذه المعطاة الثقافة العالمة من حيوية الثقافة الشعبية، كما تطور الجهاز المفهومي اللهجي الحساني واتسع من خلال استفادته من مضامين اللغة العربية وثقافتها: “لاحِكْ فِيهْ فَلا إشكَال” يضرب لمبلغ الغاية في أي شيء، وهو في حقيقة الأمر نهاية خليل بن إسحق في حديثه عن الخنثى المشكل. وكذلك: “دونُه الِّ دونْ قتْلْ عُلََيًّان”، وعليان هو جمل كليب بن ربيعة، القائل: سيعلم آل مرة حيث كانوا بأن حماي ليس بمستباح.. وكذلك: “إن دون قتله لخرط القتاد والتماس الفرقدين”.

وقولهم: وهو من الشعر الحساني لصاحب الترجمة، الذي يقرض الشعر الحساني إلى جانب الشعر الفصيح:

هونْ امْسايِل هومَ خَمْسَ = = كَولكْ مضافْ أُراهُمْ شيْنْ فِعْلْ احَرْفْ أحْكمْ لا تَنْسَ = = ضمير اتَعرِيفْ أو تنْوينْ.

إلى آخر ما هنالك من الأمثلة التي لا تقع تحت الحصر.

التعريف بمحمدُّ بن أحظانا

أولا: نسبه

هو محمدُ بن محمد (احظانا) بن حبيب الله، بن أحمد بن الفقيه يحي المكنى أتفغ يحي، بن سيد أحمد، بن محمد المكنى مَحَمْ، بن عُمَرْ، بن محمَّدْ الملقب يِنْدَابََ، بن المتعلق بالله الحسني. لأمه صفية بنت المصطفى (تفا)، من أسرة أهل زين العابدين، أبناء عمومة محمدُ. وشجرة المتعلق بالله تعلوا إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، حسب المأثور في وثائق وأنظام النسابة المتقدمين والمتأخرين: وثائق أتفغ الحمدْ ق11هـ، وثائق أتفغ يحي ق10، و أحمََد بن المختار (اخطيره) بن أحمد بن أتفغ يحي ق: 12هـ، و وثائق وأنظام محمدُ بن أحظانا (ق 13)، من المتقدمين. و من المتأخرين نظم أحمدُ ولد إبراهيم، ومؤلف محمدْ ولد محمذن، حول أنساب المتعلقين بالله (ق14).

ثانيا: ميلاده ووفاته وشذرات من حياته

يعد محمدُّ بن أحظانا من بين العلماء المعمرين، فقد عاش عمرا مديدا زاد على القرن. ورغم أن ميلاده غير محدد بوثيقة أو شهادة كوفاته المثبتة، فيمكننا من خلال مجموعة من القرائن أن نحدد بعض المحطات التي تؤكد استنتاجنا بكونه كان معمرا، كما سنحاول من القرائن التالية أن نلتمس ميلاده التقريبي:

القرينة الأولى: كان محمدُ هو أكبر إخوته، وقد درس القرآن حفظا وتجويدا على والده محمدْ الذي كان من أهل القرآن. وتخرج عليه مبكرا وهو لم يصل إلى سن الخامسة عشرة، حسب شهادة ربيبته مريم بنت شعبان (ت: 1988م عن عمر جاوز المائة بسنوات).

القرينة الثانية: غادر محمدُ ولد احظانا أهله قبل صومه بقليل، حسب إفادات عديدة من بينها إفادة حفيده محمدُ ولد أحمدُّ ولد الشيخ محمدُ ولد أغربظ (ت:1985م)، وقد أدركه. وكذلك إفادة مريم بنت تفا (ت: 1970م) زوجة ابنه محمد الأمين (آمنا). وقد ذكرت أن محمد قضى عشرين سنة مغتربا عن أهله لطلب العلم..

القرينة الثالثة: حسب إفادة الشيخ محمدٌ (ادُّ) بن محمد الأمين ولد محمدُّ ولد أحظانا المولود في حياة جده والمتوفى عن سبعة وثمانين سنة (ت: 1987م)، وشهادة محمدُ ولد أحمدُ ولد الشيخ ولد أغربظ (توفي قبله بسنتين) فقد أسس محمدُ ولد أحظانا محظرة في آدرار قبل محظرة “تنبنيوك” لسنوات قليلة، بين الثلاث والأربع، قرب تيدنْيِكُوتْ حيث كان أبوه محمدْ مقيما فيها.

من خلال هذه القرائن الثلاثة نستفيد أن صاحب الترجمة قد عاد إلى “القبلة” وهو في السابعة والثلاثين (أربع عشرة سنة لتعلم القرآن، وعشرين سنة لطلب العلم، وثلاث سنوات للتدريس بمحظرته الأولى).

القرينة الرابعة: تزوج محمدُ بعيد عودته من ابنة خاله عيشة بنت تفا حسب روايات متطابقة، وولدت له ثلاثة أبناء أكبرهم: أحمَدُّ المُكنَّى (أبا عبد الله)، وقد توفي في حياة والده بعد أن أصبح عالما يدرس في محظرته عن سبعين سنة، حسب شهادات متطابقة ممن أدركه، و كان ذلك في نفس السنة التي درس فيها الشيخ محمدُ حامد مثلث ابن مالك على محمَّدُ بن أحظانا عند “انْتِتَامْ” لمدة ستة أشهر، وكان ابن آلا حديث السن حينها. وقد خلف أبا عبد الله ابنا يسمى عبد الله ولد بعده، وتوفي هذا الولد وقد قارب الثمانين سنة 1972م. مما يعني أن عبد الله بن أبا عبد الله قد ولد مع مطلع القرن العشرين لأنه أدرك جده محمّدُ. فيكون والده قد توفي في تسعينيات القرن التاسع عشر.

يستخلص من هذه القرينة أن محمَّدُ ولد أحظانا عاش إلى غاية وفاة ابنه الأكبر أحمدُ مائة وثمان سنوات على أقل تقدير لأنه أكبر من ابنه بسبع وثلاثين سنة على الأقل وعمر ابنه أحمدُ سبعون سنة.

القرينة الخامسة: تتلمذ الشيخ محمد ولد حنبل – يمكن اعتبار حياته من القرائن الدالة على محطات من عمر أستاذه- على محمدُّ ولد أحظانا، وقد توفي الشيخ محمدُ ولد حنبل عن عمر بلغ الثانية والستين أو الثالثة والستين، وذلك سنة 1303هـ. وحسب شهادة مريم بنت تفا (انَّا) فإن ولد حنبل وكوكبة من الطلاب من بينهم أبناء المعلى: حبيب الله والمختار وعبد الوهاب، وعبد الله السالم ولد احميدي.. تتلمذوا على محمدُ بن أحظانا وهم يافعون، ويصدق ذلك كون الزوايا يبعثون بأبنائهم مبكرا إلى محاظر التعليم.

روت مريم بنت تفا أن الأستاذ كان يقول إذا رآهم قادمين: “يوكِ ألّ اتليمدتي الِّ يجْلُ شِ عنْ لخْلاكْ”، (حبذا طلبتي الذين يزيلون الغم عن النفوس) (احتفاء بهم). و تذكر أن ولد حنبل قضى معه سبع سنوات. ولما ذهب إلى الشيخ سيدي بن المختار بن هيبه (المتوفى: 1284هـ)، وكان ذلك بعد عودة الشيخ من أزواد، وظهوره في المنطقة عالما ومتصوفا، و بعد أن أقبل عليه الناس؛ قال محمدُ ولد أحظانا معلقا على ذلك: “لن يزيده شيخه في شيئين: الأدب والعلم”. وقد أخذ الشيخ محمدُ ولد حنبل الورد القادري عن الشيخ سيدي، وصار من أشهر مادحيه ومريديه كما كان من أبرز الأدباء في عصره على الإطلاق.

القرينة السادسة: ذكر المؤرخ محمدْ ولد مولود ولد داداه “أن الشيخ سيديا لما بنى داره المعروفة في أبي تلميت مرَ به محمدُ ولد أحظانا، فلما أراه الشيخ سيدي الدار وأطلعه على غرفها وبنائها، قال له محمدُ: هذه دار رحبة جيدة التشييد والتخطيط، وليس فيها إلا عيب واحد. فسأله الشيخ سيدي وما هو؟ فقال له: قٌرْبُها من النّصارى. وكان النصارى حينها في سنلوي. وقد أول البعض قوله بعد ذلك على أنه بصيرة، حيث أقام الفرنسيون محميتهم في بوتلميت بعد ذلك”. يعنينا من هذه القرينة أن الشيخ سيدي بنى داره ومحمدُ بن أحظانا قد أصبح معروفا في المنطقة بعدُ.

توفي الشيخ محمد ولد حنبل قبل محمدُ ولد أحظانا بست وعشرين سنة، حيث أثبت محمد محمود ولد يداد في نظم له وفاة أستاذه محمدُ بن أحظانا سنة 1329هـ.

ويعني هذا أن مولد الشيخ محمدُ ولد حنبل كان سنة 1241هـ لأن وفاته كانت عن 62 سنة 1303م. وعليه فإنه إذا كان ابن حنبل قد تتلمذ في السن المعتادة، قبيل البلوغ بقليل ما بين السادسة عشرة والثامنة عشرة، فإن ملازمته لشيخه محمدُ ولد أحظانا كانت في الفترة التقريبية ما بين 1257 و 1264هـ.

نستفيد من هذه القرينة أن المترجَم له كان في أوج عطائه العلمي والأدبي في أواسط القرن الثالث عشر.

القرينة السابعة: بلغ محمدُ ولد أحظانا سنا عجز فيها عن السير على قدميه إلى المسجد، لا عن مرض، وكان قوي البنية. ومما ترويه ربيبته مريم بنت شعبان(ميم) أنه كان يقول لأبنائه إذا ذكروا له ضعفه: “أسكتوا عني هذا المنادِي إذن، أو اذهبوا بي إليه”. وكانوا يهادونه إلى المسجد، ويطلب منهم أن يتركوا قدميه تتساحبان على الأرض لتنالا نصيبهما من الأجر، مما يعني أنه بلغ من الكبر عتيا.

تزوج محمدُ أربع نساء، متفاوتات في الأعمار، توفيت ثلاث منهن في حياته.

نستخلص من كل هذا أن الرجل عاش عمرا مديدا، وإن أردنا تحديد ميلاده من خلال هذه القرائن المحورية والداعمة توصلنا إلى الاستنتاجات التالية:

  أنه عاش مائة وسبع سنوات على الأقل عند وفاة ابنه الأكبر، وقد سبق الوالد ابنه بـ 37 سنة. فبإضافة عمر الولد لذلك يصبح المجموع 107 سنوات.

  أن حفيده عبد الله بن أبا عبد الله الذي توفي عنه والده وهو في بطن أمه، توفي عن عمر قارب الثمانين سنة 1972. وقد أدرك من عمر جده سنوات عديدة تصل إلى الثمانية أو التسعة، منها ثلاثون شهرا للحمل و الفصال.

ويستخلص من ذلك أن عمر محمدُ ولد أحظانا الملقب ديدَ بلغ 116 سنة. وبناء عليه يكون قد ولد سنة 1213هـ. وقد قضى حوالي مائة وعشر سنوات منها بين طلب العلم وبثه. نزل محمدُ على التلة الشرقية من عقلة تنبنيوكـْ، جنوبي “زيرَةْ أعمر”، ليقيم بتلك الدار زمنا طويلا، لكن حيا من جيرانه أقام حفلا، فلما سمع قرع الطبل، طلب منهم أن يسكتوه عنه فرفضوا. وتقول الحكاية التي يرويها حفدته إنه نزل “اوَّيْدْ النمل”، وشاء الله أن الأمطار لم تنزل على تِنْبَنْيُوكـْ طوال سنوات متتالية، فأرسل أهل تنبنيوك وفدا إليه ليعود إلى داره، ووهبوه سبعه، فعاد إليه، وقال في ذلك أبياتا منها:

ياربِّ هذا حُسَيٌّ صِرْتُ أملكُ منْ = = أجْزائِهِ مِنَّةً من جودِكَ السُّبُعَا.

ولم يزل مقيما في هذه الدار، حيث بنى كوخا كبيرا لمكتبته كما اتخذ منه مخزنا للزاد و نظم فيها وقف التلاميذ، وفي رسالته لـ اعلي ولد محمد الحبيب تحدث عن عمل تخريبي ونهب قامت به إحدى المجموعات لما سماه حصن التلاميذ ووقفهم.

وقد ارتحل – حسب الروايات المتواترة- مرتين، إحداهما إلى “عقلة الطيب”، بعد ملاحاة بين بعض طلابه، والثانية ارتحاله إلى “انتتام”، في “آوْكَيْرَهْ” شرقي الركيز أثناء قحط شديد في منطقة العقل، وذلك أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

وقد كان يكره الارتحال، ففي إحدى المرات طلب منه أبناؤه أن يقبل الارتحال نحو “تِنْمَدُّ” التي نزل بها عارض ممطر، بينما تأخر عن تنبنيوكـَْ، فقال:

مَانِكْـدِرْ نَرْحَلْ شَيْخْ اكْبيرْ = = كـَِدِّ مَا يَرْحَلْ مِنْ بَلْدُ

تِنْمَدُّ كـَالُ جَاهَ خَيرْ أكـَْرَبْ خَيْرَكْ مِنْ تِنْمَدُّ.

وقد سهّل استقراره على طلبته متابعة الدراسة في ظروف مناسبة، كما كان الوقف الذي أنشأه مساعدا للطلاب الذين لم تكن لديهم منح من ذويهم.

توفي محمدُ ولد أحظانا في تنبنيوكـَْ وحضر وفاته عدد كبير من أجلاء أهله من بينهم الشيخ عبد الله ولد الشيخ ولد أمي، و اجلال بن حرمه، أحد طلابه البارزين، وكان يود أن يُدفَن في “عقيلة حرمه” القريبة، لكن رأي ابنه محمد الأمين مال إلى دفنه في مدفن “انْدَبَّيجِرْ”، وهو مدفن كبير للمتعلقين بالله، حيث جده أتفغ يحي فدفن في الجانب الشرقي من المقبرة مع الشيخ العارف محمدُ ولد أغربظ، الذي عاصره، وتبادل معه الرسائل والإخوانيات، واشتركا معا في الرفع من شأن المعارف والعرفان في منطقتهما، ومن ذلك طلب الشيخ محمدُ ولد أغربظ من محمدُ بن أحظانا ردا على الرسالة الواردة من الشيخ محمدُ بن حنبل، والمنشورة في هذا التحقيق، فقد كتب له في مقلوب الورقة التي كتبت فيها أبيات ابن حنبل: “ياصادرا عن بحور العلم أجمعِها من بعد ما خاض منها كل لُجَّاتِ أجب.”

وهو البيت الوحيد الذي استبقته الذاكرة المحلية من شعر الشيخ محمدُ بن حبيب الله بن أغربظ، مؤلف كتاب “أنجع الوسائل في حل ألفاظ الشمائل”، خريج محظرة حرمة بن عبد الجليل المتوفى سنة 1242هـ. المتصدر على الشيخ القاضي في التصوف، وهو العالم والعارف والمتصدق المشهور، الذي نشبت بينه وبين محمد الحبيب أزمة أدت إلى تلاح شديد، وشن غارة على “دار اندبَّيجرْ” ونهبها من طرف “عبيد” المعروف لاحقا بـ “عبيد الدار”، وكانت البناء الوحيد الموجود في المنطقة إلى جانب دار الشيخ سيدي في أبي تلميت.

ثالثا: طلبه للعلم وأشياخه

ولد محمدُ في منطقة العقل حيث ذهبت والدته إلى أهلها قبيل ميلاده كعادة الشناقطة، ونشأ في أحضان والديه حيث عاشوا أغلب فترة الطفولة ما بين جنوب آدرار وأكَـان، وكان أغلب ملكهم الإبل. ففي الحكايات المأثورة أن محمدْ والده قدم إلى منطقة العقل عندما ساق جيش من أولاد البوعلية إبله، من أكَانْ لما رأوا عليها ميسم أهله، فسار في أثرهم وعرّفهم بنفسه لكنهم لم يصدقوه، حتى أوصلوا الإبل إلى عقلة مُنْدْرِيشْ وهي من مناهل أهله، فعرفهم بنفسه وعرفه أقرباؤه، فاستعاد إبله وتزوج ابنة عمه.

كان محمدْ (أحظانا) من حفّاظ القرآن وأصحاب المقرأ، فلما حفِظ ولده القرآن وأتقن مقرأه، ودرَّسه حكم صلاته وصومه أعطاه ناقتين حلوبين وزادا، وأطلق له العنان في طلب العلم حيثما أراد، فزار بعض المحاظر في منطقة الشمال وآدرار، إلى أن ألقى عصا الترحال مع العالم الفذ محمد ولد عبد الودود، الذي نقل عنه طالبه أوصافا وخلالا شاهدها فيه، سترد في النصوص التي أنشأها فيه.

شيخه العلامة محمد بن عبد الودود الحاجي

وصف صالح بن عبد الوهاب في “الحسوة البيسانية في معرفة الأنساب الحسانية” محمد بن عبد الودود وابنه عبد الودود من أهل الحاج بأنهما “فخْر الزوايا وحسان”.

كان متفوقا في علوم العربية والمنطق والفقه، والأدب، لأنه جال طويلا في طلب العلم داخل القطر وتوغل شمالا إلى الزاوية الدلائية في الأطلس المشهورة بعلوم العربية، فدرس فيها كل ما هو متاح من علوم وفنون، ومن بين ما تميز به هذا الأستاذ أنه كان يطبق منهجا في التعليم، يخصص للغة العربية والتمحض لتدريسها، نحوا، ودلالة، وبلاغة، ومعجما.. أغلب السنوات الأولى من دراسة الطالب. وبعد إتقان علوم العربية وحفظ معاجمها كالقاموس، يبدأ للطالب في تدريس الفقه وتفسير القرآن وغير ذلك. وكان يدرّس غيلان بشرح ابن خروف وغيره من الشروح، كما كان يدرس الشعراء الستة بصورة معمقة، إضافة لأيام العرب وأنسابهم. ويدرس ابن هشام في السيرة. وكان طلابه يحفظون المدونة لسحنون وخليل بن إسحق، والرسالة لأبي محمد بن أبي زيد، والتبصرة لابن فرحون، وإضاءة الدجنة بشروحها.. والسُّلّم للأخضري، إلى غير ذلك من الكتب. وكانت آثار محمدُ الشعرية خير شاهد على المقرر المحظري في محظرة أستاذه، خاصة قصيدتيه: توديع المحظرة، ورثاؤه لأستاذه محمد ولد عبد الودود الحاجي. وهما قصيدتان رائعتان منشورتان طي هذا العمل.

عُدّ محمد ولد عبد الودود مرجعا في محيطه، وأقبل عليه الطلاب من كل حدب وصوب، وتصدر للفتوى الشرعية في حله وترحاله، و تولى القضاء هو وابنه عبد الودود في إمارة يحي بن عثمان. وحسب آثار تلميذه محمدُ بن أحظانا فقد كان الشيخ كثير الانتجاع حيث ذكر في بعض قصائده أماكن متباعدة أثناء بعض الرحلات التي قام بها، حيث ذكر بئر الجيش (بير إيغنِ) و (الزَّفَال) و (زوكـَْ)، الذي كانت به وفات محمّدْ ولد عبد الودود. من ذلك الذكر قول محمدُ:

 فقاربت الزِّفالَ ومذ تدانى = = الشمسِ زايلت الزفالا.

وكذلك في قصيدته التي مطلعها:

– جُلُّ ما كان من وفاء العهود = = كان للشيخ نجل عبد الودود

 إن عينا لم تبكه يوم زوكـٍ = = بنجيع خليقة بالجمودِ

 فعيون النهار تبكي لصوم = = وعيون الدجى لأجل السجود

 وعيون العلوم جرّى عويص = = وعيون العطاء للمجهود

 وعيون الآثار تبكي لضبط = = ومعان مناسبات الحدود

 وعيون الآراء تبكي لرأي = = مستقيم ذي مرة محمود..

إلى آخر ما في القصيدة من ذكر حميد.

كان محمد بن عبد الودود حيا ومحمدُ بن أحظانا قد تصدر للدرس في محظرته الثانية بتنبنيوكـْ، حيث تروى عنه حكايات تفيد بقيامه ببعض هذه الزيارات لشيخه مع بعض تلاميذه. وكان إذا زار شيخه خلع عنه ثوب المشيخة ولبس ثوب الطالب وقام بما كان يقوم به في عهد طلب العلم. ولم ينقطع عن ذلك حتى بعد أن توفي شيخه سنة 1273هـ، حيث استمر يزور العالم والقاضي الجليل عبد الودود بن محمد بن عبد الودود دوريا، وكان يذهب معه بعض تلاميذه في هذه الرحلات، وحسب الحكايات الأهلية فإن ود محمدُ لأشياخه لم يكن محدودا، فكان يذكرهم في كل أمر، ويقص حياتهم وسيرتهم على أسرته وتلاميذه، ويضرب بهم المثل في الأخلاق والعلم، والمهارة، والفتوى، والخبرة في الأرض.

وقد درج على هذه العادة بعض تلاميذ محمدُ بن أحظانا لما تصدروا للعلم، كما كان يفعل شيخهم مع أستاذه. وفي حكاية مروية عن الشيخ محمدٌ بن محمد الامين(آمنا) أنه ذهب مع ابن حنبل في أثر إبل شيخه وذلك بعد أن أصبح شيخ محظرة كبيرة، فأنشده قصيدته المديحية:

رد البلابل والغرام الساري = = طيفٌ سرى أهلا به من سارِ

وصدف أنهما لم يظفرا في ذلك المساء بالإبل، فقال آمنا: لم نأت بالإبل ولكن أتيتكم بالقصيدة التي أنشدنيها الشيخ محمدُ ولد حنبل، وكان (آمنا) (ت: 1948هـ عن عمر بلغ المائة) قوي العارضة يحفظ من السماع مرة واحدة، وهي سجية ورثها عنه ابناه: محمد عبد الله (ولد 1924م وتوفي: يوم الجمعة 2 مارس 2001م) وسيدي محمد توأمه (ت: يوم الجمعة 4 مارس 2010م) رحم الله الجميع.

وقد رويتْ حكايات عن حفظ محمدُ بن أحظانا من بينها حكاية نسخه للقاموس المحيط للفيروزبادي بطريقة تدل على قوة الحافظة، ذلك أنه لما انخرط في الدراسة على محمد بن عبد الودود باع إحدى ناقتيه المذكورتين آنفا بالكتب. ولم يكن من بينها القاموس المحيط، وكان من الكتب المقررة في محظرة شيخه، فوجده عند أحد المشائخ في حي أهل الحاج، لكن الشيخ لم يقبل إعارته له كي يستنسخه، فطلب منه أن يعيره كل يوم أثناء الرحيل عشر ورقات ليعيدها إليه عند نزول الحي، فقبل صاحب النسخة. وكان الرحيل الدائم سلوكا ملازما للحي الذي يدرُس فيه، فكان صاحب القاموس يعيره عشر ورقات ليحفظها الطالب أثناء الرحيل، فإذا نزل الحي أعاد الورقات لصاحبها، وفي اليوم الموالي يعيره عشر ورقات أخرى.. وهكذا . وعند حلول الظلام كل ليلة كان محمّدُ بن أحظانا يأخذ ما جمع في الطريق من حطب الأشجار وأغصان الحلفاء وغيرها فيوقده، ويبدأ في كتابة ما حفظ من القاموس أثناء الرحيل، حتى أكمل نسخ القاموس بهذه الطريقة، فحصل على نسختين: نسخة في الورق ونسخة في الذاكرة، وهي الأهم لديه فيما بعد حيث عرف بإتقان معجم العربية.

و كان لمنهج القاموس تأثير كبير على تفكيره، فألف على غراره تخميسا في الأمداح النبوية، أسماه قاموس الأمداح، ثم سقي الفتاح، ثم جلب الفلاح. وكانت على ترتيب الأحرف، حسب منهج القاموس المحيط.

درس محمدُ بن أحظانا على محمد ولد عبد الودود حتى أجازه فيما علم من علوم العربية وآدابها والمنطق و تفسير القرآن والفقه. ويذكر في رثائه له بعض الكتب التي كان يدرسها الشيخ في محظرته (عد إلى النص طي العمل). تذكر الروايات المتواترة أن محمدُ ولد أحظانا كان كثير الذكر لأستاذه أثناء التدريس، ويضرب الأمثلة بتبحره في العلم، وحسن سلوكه، وقوة عزيمته، وصبره على العمل اليدوي، وعدم ترك تلاميذه يتولونه عنه، كما أشاد بورعه، وعبادته وخشوعه، وحسن أخلاقه، وكرمه، وثباته على الحق أمام الظلمة وأصحاب الجور والطغيان، حيث كان مهاب الجانب عزيز النفس. يقول في ذكر بعض فضائله وخصائصه من الدالية السابقة الذكر، ففي علمه:

– فلئن كان إرث أحمد فينا = = فهو أولى بإرثه المعهود

– حاز معنى الحديث من كل وجه = = بأسانيده ولفظ شرود

– حاز نحو النحاة من كل وجه = = بتصاريفه وضبط المكود

– وتراه أبا المودة يملي = = بشروحاته ونص كؤود

وفي أخلاقه يقول:

-إن تزره تزر جوادا كريما = = لوذعيا مطابق المقصود

-حسن الخلق والشمائل أري = = للمصافي وعلقم للجحود

وفي تقدير الناس له وضنهم به عن المنون، يقول محمدُ بن أحظانا:

-لو رأينا من المنون فداء = = لفدينا بتالد المنقود

-لفديناه بالنفوس جميعا = = وذوات الدماء بيض وسود

وفي الدعاء له بالرحمة لما نشره من علم ، وما تميز به من قبول وحسن تربية وتعليم:

– فجزاه الإله خير جزاء = = عن أهالي القرى وأهل العمود

– بث فيهم علومه بقبول = = وبها قد تصدّروا للصُعود

– فاسكننه دار النعيم مقيما في نعيم من ظلها الممدود.

تأثر محمد بن أحظانا بشيخه

حسب الحكايات الأهلية المتواترة كذلك فإن محمد بن أحظانا أخذ عن شيخه هذه الخصال، وأبعد فيها النجعة. وآثاره الأدبية تدل على ذلك. قال بعد أن أصيبت إحدى رجليه بألم حاد عضله عن الذهاب إلى أعمال البر:

.. يارب رِجْلٌ بها أسعى إلى القُرَب = = وربما طوّفتْ تسْعَى إلى أدَبِ

وكنتُ قِدْما عن العِصْيانِ أحبسُها = = وإنني من خطايَاها على رَهَبِ

فلا تُعطِّلْ بمَا تَحْوِيهِ من ألَمٍ = = طُهْرِي وسَعْيي إلَى رَبِّي ومُكْتَسَبي

إلى أن يقول:

واجْعلْ مَسَاعِيَها رضْوَانَ خالِقِها = = واخْتمْ بِخَيْرٍ لها في كلِّ مُطَّّلَبِ.

وكان حبه للمسجد وتعلقه به كبيرا، حيث يقول لنساء حيه على لسان المسجد عندما قمن بتنظيفه:

تَغَبّرَ في تنْوِيرِ وجْهي وصَقْلِه = = ليبدِينَ حُسْني نَيِّرَاتٌ نواضِرُ

تَهَادَيْنَ ينْقُلْن الغُثا عَنْ جَوانِبِي = = يَسِرْنَ كمَا تَمْشِي البدُورُ السًّوافِرُ.

رابعا: بث ابن أحظانا للعلم وتأثيره في محيطه

في بعض الإفادات المتصلة ممن أدرك محمدُ (ديدَ) أنه عاد إلى القبلة بعد تأسيسه للمحظرة الثانية، وكانت والدته صفية بنت المصطفى (تفا) مقيمة في أهلها فجاء للسلام عليها، فلما أراد العودة طلب منه أبناء عمه أن يقيم معهم لتدريس علمه، فلم يقبل، وكان الشيخ محمدُ بن حبيب الله بن أغربظ (ت: 1272 م) -وهو فقيه وشيخ صوفية كبير، عامر الزاوية، صدر عن الشيخ القاضي الإيجيجبي- من بين من طلب منه المقام. وأصر أكابر أهله على مقاضاته إن لم يقم معهم، واستفتوا في ذلك بعض الفقهاء، فأفتى لهم بوجوب إقامته معهم.

فأسس فيهم محظرته التي أقبل عليها الطلاب بكثرة. ومن أدلة ذلك الحكاية التي روتها مريم بنت محمدُ ولد تفا (إنّا)، أنهم كانوا في إحدى الليالي قد حضّروا “عيش التلاميذ” وهو في ثمانين إناء، أربعون منها للتلاميذ “المؤبدين”، وهم المكفولون من طرف شيخ المحظرة، وأربعون لغير المؤبدين. وكل إناء لأربعة طلاب (أي ما مجموعه 320 طالب علم)، وكانت إبلهم تشرب في ذلك اليوم من منهل “الصرصاره”، وهي عيون غزيرة الماء جنوب غربي “تنبنيوكـ” التي يقيم بها شيخ المحظرة محمَدُ بن أحظانا. فبينما هم ينتظرون عودة الإبل إذ جاءهم النذير أن الإبل جميعها سيقت من طرف جيش من المحاربين، وفي تلك الليلة أكل التلاميذ طعامهم بلا إدام.” وكانت تحدث عن عدد كبير من الأعرشة التي يقيم فيها التلاميذ. يعود إقبال الطلاب على هذا الشيخ إلى كونه على درجة عالية من إتقان معارف عصره. وأكثر من ذلك أتى بمنهج جديد يركز على علوم اللغة والنحو والأدب، حتى يتمكن منها الطالب تمكنا تاما، وبعد ذلك يفتح له باب دراسة العلوم الشرعية والتفسير وعلم الكلام. كما كان مربيا، جهوري الصوت، سلس الشرح، دقيق التعبير.

و حسب شهادة من المؤرخ والعالم الجليل المختار ولد حامدن فإن محمدُ بن أحظانا حمل معه إلى منطقة القبلة منهجا دراسيا لم يكن معهودا وهو تمحض الطالب لدراسة ديوان غيلان بشروح من بينها شرح ابن خروف، والشعراء الستة، والمفضليات، وكتب النحو، والمعاجم اللغوية.. قبل أن يشرع في دراسة الفقه مثل خليل ومدونة سحنون.. وغيرها. فكانت علوم الآلة في أولوية المعارف التي يجب أن يأخذها الطالب عنده. لذلك أقبل عليه الطلاب من كل حدب وصوب.

ويؤكد هذه الشهادة ما وصل إليه طلاب محمدُ بن أحظانا من تفوق في الشعر وعلوم العربية بصورة ملفتة للانتباه، إلى جانب تفسير القرآن والسيرة والأنساب والفقه. وقد كان يفاكه طلابه، تشجيعا لهم على قول الشعر والتدريب عليه ومناظرتهم فيه بعد ما أجادوه. ومن ذلك ما قاله للشيخ محمدُ ولد حنبل، وحبيب الله بن المعلى:

يقول:

خليلَيَّ كيف الحال والحال تنبئ = = عن السر مهما السر في الصدر يُخْبَأُ

لئن نُسِئتْ عنكُم ظواهرُ ودّنا = = لما كانَ عنكُم باطِنُ الوِدِّ يُنْسَأُ

فأجابه محمدُ بن حنبل:

أيُسْألُ عن أحْوَالِ قومٍ تَبَوَّوا = = جَدَاوِلَ عِدٍّ جارُه ليسَ يَظْمَأ

يُرَوِّيهُمُ منْ بحْرِ عِلْمٍ وحِكْمَةٍ = = تلاشَى لِمَبْهَاهَا نُضَارٌ ولُؤْلُؤُ

وفي المناظرة الثانية مع طالبه حبيب الله بن المعلى، وهو يعاتبه على إيثاره بعض الطلاب عليه:

ألاَ بَلّغْ مُعَطَّرَةَ الجُيوبٍ = = كأمثال السّجيةِ من حَبِيبِ

إمامِ العَصْرِ بورِكَ مِنْ إمامٍ = = أديبِ العصرِ بورِكَ من أديبِ

بأن الودَّ مرتَعُهُ رُحابٌ = = وكم للضغنِ منْ أمَدٍ رَحِيبِ

ومَا جَلبَ الضّغَائنَ منْ حَبِيبٍ = = كإيثارِ الحبيبِ على “الحَبيب”

فيجيبه أستاذه محمّدُ قائلا:

حبيبي لستُ أوثِرُ عَنْ حبيبِي = = وما شأني مضَاغَنَةُ “الحَبيب”

عَلى أنِِّي أخَسُّ الناس صُنْعًا = = وَمَا أنا بالأديبِ ولا الأَريبِ

وإنْ ظَهَرَتْ معائِبُهُ علَيْها = = أجُرُّ السَّابِغاتِ منَ الجُيوبِ

ومنْ طلبَ الحبيبَ بلا عيُوبٍ = = يعِشْ طولَ الزًّمانِ بلا حبيبِ.

أثر محمَّدُ بن أحظانا في عصره تأثيرا كبيرا، وذلك على أربعة محاور:

  المحور المنهجي: فقد كانت طريقته في ترتيب مواد التعليم غير شائعة في منطقة القِبلة، إذ جعل علوم العربية في صدارة مقرر الطالب، وكان يقول إن من أتقن اللغة العربية فتح باب جميع العلوم الأخرى.

  المحور الموسوعي: فقد أتى بمقرر محظري شامل، تدرس فيه المتون المعتادة، كألفية ابن مالك وولد بونا الجكني (1190-1230هـ) كما كان يدرس أمهات في التفسير والفقه، فروعا وأصولا، و الأدب، مثل الأمالي لأبي علي القالي، والكامل للمبرد، ومغني اللبيب لابن هشام، والمدونة لسحنون، والقاموس المحيط، والمعيار للونشريسي، والموافقات للشاطبي، و جامع ابن يونس، والسلم في المنطق للأخضري، وخليل بن إسحق في مختصره، وبشروحه المختلفة، و سيرة ابن هشام، وابن الحاجب.. وغير ذلك.

  محور الشعر، فقد أسس مدرسة شعرية كان هو رائدها وأشاعها بين طلابه، تميزت بجزالة الشعر، وتدفقه، وفحولته، وجودة سبكه، ونصاعة لغته. كما كان له منحى في صنعة الشعر، حاكاه فيها شعراء عديدون من بينهم الشيخ سيدي فيما يسمى بالقصائد ذات الأبحر المتقاطعة. ومن ذلك قصيدته:

طلعت بدور للمعارف كمل = = مذ جاد بالشمس الزمان الأول..

وهي في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما اشتهرت بعض قصائده التوسلية، مثل “المفَرِّجه”:

يافالق الإصباح إن ليل دجا = = ومُلْبسَ الأوطان أثوابَ الدُّجَى..

وله ديوان شعر كبير ضاع أكثره بسبب نكبة مكتبته التي سنتحدث عنها لاحقا. كما ضاعت بعض مؤلفاته، مثل شرح معمق لألفية ابن مالك، وحاشية على ابن خروف في شرح ديوان غيلان، ونظم في فضائل الفاتحة استهله بقوله:

قال محَمدُ ابن لحظانَ الذي = = بغير ربه العلي لم يلُذِ.

ثم نظم في الرقية، اورده محمد محمود بن يِدَّادَّ في بعض مؤلفاته. ثم نظم في أسماء الله الحسنى، وبه إشارة لطيفة إلى خبرته العروضية.

خريجو محظرته

تخرج من محظرة محمدُ بن أحظانا عدد من العلماء الأجلاء والشعراء الكبار، من أبرزهم: الشيخ محمدُ ولد حنبل الذي عده محمذن بن السالم البنعمري من بين أبرز ثلاثة شعراء حسنيين، هم: سيد عبد الله بن أحمد دام البنعمري، و الشيخ محمد ولد حنبل، والشويعر الفاضلي. ثم عاد إليهم وأسقط منهم واحدا عندما أحل نفسه في المرتبة الثالثة محله، دون أن يحدد أي الثلاثة فتندروا بذلك وسأله بعض الفضوليين أي الثلاثة أسقطت؟ فلم يجب. ربما لأنه وضع أحد الثلاثة في المرتبة الرابعة بعده، حين قال:

فشعري حين تستبق القوافي = = عدا الشيخين منقطع القرين.

. وقد أورد أحمد بن الأمين الشنقيطي في كتابه الوسيط في تراجم أدباء شنقيط أثناء ترجمته لمحمدُ بن أحظانا شهادة للأستاذ وطالبه حيث قال: “ويكفيه شرفا أنه أستاذ ابن حنبل”. تخرج على الشيخ محمدُ ولد حنبل ابنه عبد الله السالم، وهو شاعر مجيد، برزت قامته الشعرية رغم سمو قامة أبيه وعلو كعبه في الشعر. ومن بين من تخرج على الشيخ محمدُ ولد حنبل أيضا: الشيخ عبد الله ولد حمين، العالم الجليل، واللغوي المعروف، والذي كان أستاذ ممُ الجكني، المعدود في طليعة اللغويين والمحققين في علمي النحو والصرف، وهو إلى ذلك شاعر مجيد.

كما تخرج من محظرة محمدُ بن أحظانا حبيب الله بن المعلى، وأخويه عبد الوهاب والمختار، وهم من فحول الشعراء، وأساطين العلم في عصرهم. وكانت إحاطتهم باللغة العربية وشيوع الشعر فيهم كأسرة استثناء في قومهم، فلم يخل جيل من هذه الأسرة من عدد من الشعراء المجيدين.

وكان المختار من أغزرهم شعرا وأقواهم عبارة، وأجزلهم لغة. أما ابنه محمدُ نانَ، الذي كُنّي بكنية جده أحظانا، لخؤولته من أهل أحظانا فقد بلغ القمة في الشعر الشنقيطي، و الإحاطة بلسان العرب، حفظا وتمثلا، واستخداما دون منازع.

ومن خريجي هذه المحظرة الأفذاذ أحمدْ ولد مياه، وهو شاعر مجيد وفقيه متمكن، كان من نجباء عصره، وتميز بحسن الفهم. ترك كتابا في النوازل يدعى: “الأسئلة المَيَّاهِية”، وكانت متداولة في المحاظر بالمنطقة.

وقد درس عليه الشيخ محمدُ ولد أحمذية (1244- 1327هـ) ، بعض المتمات أثناء تلمذته الصوفية على الشيخ محمدُ ولد أغربظ أثناء إقامتهم في “اتويبسِّيتْ، وكان الشيخ محمدُ ولد أحمذيه: قد درس على عدد كبير من علماء عصره وتجول بينهم مثل: بُلا بن الفاضل الشقروي، وعبد الودود بن عبد الله الألفغي ت1265هـ (أولاد اتفغ حيب الله)، والمختار ولد آلما اليدّالي، والمختار ولد ابَّي الجكني، والمختار ولد أبو بكر ولد سعيد، ثم على أهل حبيب الله ولد القاضي في الصفرة والكحلة، ليعود ويأخذ الورد القادري على ابن أغربظ، ليصدر عنه لاحقا.

تخرَّج على محمدُ ولد أحظانا من العلماء الفقهاء كذلك حبيب الله ولد عمر، وهو فقيه معدود، كان ممن تنتهي إليه الفتيا في زمنه.تخرج عليه كذلك محمد محمود ولد يدَّادَ المؤرخ المشهور والعالم المعدود واللغوي وعالم الصرف، الذي كانت له بعض الطرر على لامية الأفعال. وهو صاحب النظم الذي أرخ لوفاة شيخه محمدُ بن أحظانا، وأحمدُ بن الشيخ محمدُ بن أغربظ اللذين توفيا في سنة واحدة.

وتخرج عليه أيضا العالم البارز، واللغوي أحمدُ ولد الشيخ محمدُ بن حبيب الله بن أغربظ. ومن خريجي محظرته عبد الله السالم ولد احميدي، العالم الجليل، والحافظ المعروف، إمام محظرة أهل احميدي التي خرجت عددا من الشعراء المتميزين والعلماء الفقهاء، في عائلته ومن سواها. عرف عنه الاعتداد بأستاذه.

تخرج عليه كذلك اجلال بن حرمه، وكان من خيرة طلابه، إلى جانب كونه من رجال قبيلته الأجلاء الأوفياء.

تخرج عليه الشاعر المتمكن واللغوي البارز أحمدْ بن بيْ، الملقب ابَّابَّنْ، وهو عالم ورع، وأستاذ محظرة معروفة خرجت عددا من الطلاب في علوم اللغة والفقه.

تخرج عليه أيضا أحمد السالم ولد أبي، وكان من طلابه الأثيرين لديه، وهو عالم ولغوي معروف.

من بين من درس عليه نصوصا معينة الشيخ محمدُ حامد بن آلا حيث درس عليه مثلث محمد بن مالك.

مساهمته في والتأليف

ترك محمدُ بن أحظانا مؤلفات وأنظاما وديوان شعر، لكن أغلبها ضاع بسبب نكبة مكتبته، وضياع وتلف أغلب ما تضمنته من ذخائر ومخطوطات. ولا تزال لديه مؤلفات لم تحقق مثل “جلب الفلاح”، كما أن لديه كتبا مفقودة منها: شرح لغيلان مفقود، وشرح لألفية ابن مالك وابن بونا (مفقود) وله ديوان شعر تناول أغراضا شعرية أغلبها المديح النبوي والتوسل والإخوانيات، كما كانت له قصائد في المعارضات الشعرية منها مقصورته في الكامل، ورحلته من تيرس إلى موطنه..

من بين آثاره الفتوى الشعرية والنثرية التي تنشر في الجزء الأول من هذا المؤلف، وهي فتوى في أمر شغل الناس في عصره، ألا وهو تعايش الأوراد الصوفية والعلوم الشرعية. وقد أثار هذه الرسالة التي تنصب على فضل التعلم وفضيلة العلم تلميذه محمد بن حنبل، المعروف بنصرته للتعلم عندما يقول في محل آخر: (رمل)

لكن الشعر انقضت أيامه = = لاترى اليوم إليه منتسب.

ميزات شعره

تميز شعر محمدُ بن أحظانا بالجزالة، والفحولة، والتدفق، وصدق العاطفة.

مكتبته

كان محمد بن أحظانا قد حصل على مكتبة ثرية، جلبها معه من الشمال حيث كانت الحواضر التي عاش قربها أو زارها، مثل وادان، وشنقيط، والزوايا في تيرس وآدرار.. مصدرا من مصادر هذه المكتبة. كما أنه حصل على مكتبة جد أبيه أتفغ يحي التي كانت بحوزة أحمد بن المختار بن أحمد بن أتفغ يحي، وهي مكتبة غنية بأنواع الكتب والوثائق، وكانت في كوخ “الْكَيكَه”. ولم يزل محمدُ بن أحظانا يغتني الكتب نسخا وشراء، ومن ذلك ما تتحدث عنه إحدى الوثائق المؤرخة بسنة 1289هـ وتتضمن شراءه كتاب ميارة بعشرين “بيصه” من النيلة، عند ابن أحمد عزوز من تياب أولاد البوعليه. وهو ثمن باهظ في وقته، حيث كانت “البَيْصَهْ”، وهي قطعة قماش تكفي لكسوة امرأتين، تباع بناقتين أو بعيرين، أو بقرتين، لندرة القماش حينها. مما يعني أنه اشترى الكتاب بثمن أربعين ناقة. وهو ما يربو حاليا على ثلاثة ملايين أوقية (أكثر من عشرة آلاف دولار أمريكي لكتاب واحد).

تعرضت المكتبة لنكبة كبيرة على ثلاث مراحل. كانت الأولى بعد وفاة صاحبها حوالي 40 سنة، وذلك عام “الشدة”، فقد ارتحل الناس عن المكتبة الموجودة في كوخ كبير. ولما اشتد القحط بسوام الدواب اكلت أسافله، ونزلت الأمطار لاحقا فأصاب الماء محتويات الكوخ، وتعرضت الكتب للبلل فتلف منها الكثير.

النكبة الثانية كانت مع جفاف 1969، فقد دفنت بعض صناديق الكتب، خوفا عليها، وعندما عاد الحي في الخريف لم يهتدوا إلى أماكنها نتيجة لتغير معالم الأرض. النكبة الثالثة كانت مع جفاف 1973م، فقد أتى على آخرها، ولم ينج منها غير قصاصات وكتب تفرقت في أيدي الأفراد، لتتلف لاحقا. ولولا ما أرسله صاحب المكتبة من كتب للشيخ سيدي بابَ وضمه إلى مكتبته لضاع أغلب ما تبقى من أثر هذه المكتبة العامرة

محظرته من بعده درَّس في محظرة محمدُ بن أحظانا من بعده ابنه محمد الأمين وقد سبق الحديث عنه، وهو من رجال السياسة في أهله. توفي محمد الامين سنة 1948م، عن عمر بلغ المائة سنة. بعد محمد الامين تصدر أحمد عالم بن محمدُ بن أحمد حرمه للتدريس في المحظرة. كانت زوجه بنت وهب بنت محمدُ بن أحظانا. أحمد عالم المكنى (هدالم) كان شيخ للمحظرة وهو عالم جليل، وسياسي محنك، أخذ العلم عن ببها بن أحمد العاقل، فتميز تدريسه بإجادة النحو والمنطق، إضافة لكتب الفقه المتداولة. توفي أحمد عالم سنة 1952م، فتصدر الشيخ محمّدُ بن أحظانا للتدريس في المحظرة، وقد أخذ العلم عن الشيخ أحمدُ ولد احمل الفال الحسني ثم عن أبي بن حيمود الجكني. وأصبح الشيخ محمدُ شيخ المحظرة بعد أحمد عالم،وأنشأ زاوية صوفية بعد تصديره من الشيخ سيدي محمد بن محمد أحمد الألفغي الحمُّدي إلى غاية وفاته سنة 1963م.

تصدر للتدريس من بعده أخوه محمد عبد الله، وهو عالم متمكن أخذ علوم العربية والدينية عن ثلاثة شيوخ هم: أحمدُ ولد احمذيه، و الشيخ محمدُ حامد بن آلا (ت:1959م، ومحمدن ولد احويب الله. ودرس عددا كبيرا من طلاب العلم ابتداء من وفاة أخيه الأكبر الشيخ محمدُ بن أحظانا إلى غاية 2002 سنة وفاته. وتصدر لتدريس المحظرة من بعده توأمه الحافظ العالم سيدي محمد، ولم يزل يدرس فيها إلى أن توفي في 3 مارس 2010 م.

وهكذا استمرت محظرة محمد بن أحظانا في أبنائه وأقاربه من بعده، وهي لا تزال اليوم تواصل عطاءها بإشراف من حفيده الشيخ محمد الامين بن أحمد عالم، أطال الله عمره*.

_________________________

* كتب هذا العمل قبل وفاة الفقيد الكبير الوالد محمد لمين ولد أحمد عالم، رحمة الله رحمة واسعة.

Advertisements

3 تعليقات

Filed under أعلام, الثقـــافة

3 responses to “ترجمة العلامة الشيخ محمدُ ولد احظانا “ديده” (1213 – 1329هـ)

  1. medou

    جزاكم لله خيرا

  2. غير معروف

    جزاكم الله خيرا أساتذتنا وآباءنا عن هذا العمل الجليل والدور المهم
    وللتصحيح الحاج ولد الفاللي (الفاضل) ابن عبد الله ابن احمد ابن يوسف
    أجود عمه وليس أباه

  3. جزاكم الله خيرا أساتذتنا الأفاضل عن الدور المهم لحفظ تراثنا وأمجادنا
    وللتنبيه
    الحاج محمدو ولد الفاللي (الفاضل) ابن عبد الله ابن أحمد ابن يوسف
    أجود عمه وليس أباه

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s